
معتقةً بالحضارة والتاريخ الهوميريّ (نسبةً إلى "هوميروس" الشاعر الإغريقي القديم)، وعبقة بعطر نبات الشمّار والريحان، فإن جزيرة "كريت" تبالغ في تدليل زوّارها بغناها بالخرافات والأساطير والتاريخ، والمناظر الطبيعية المثيرة والمبهجة، والانصهار الاستثنائي للماضي والحاضر، والوفرة في الخيارات والتجارب.
سلاسلها الجبلية المذهلة موشاة بالكهوف ومشرحة بممرات مثيرة، فيما قسمها الداخلي الوعر فمغطى ببساتين الزيتون والأزهار البرية والأعشاب العطرية
إن الجولات التي يمكن أن تقوم بها على طول الطريق الساحلي الوعر ستخطف أنفاسك لشدة إثارتها، وستقودك إلى مجموعة من الشواطئ الرملية الممتدة هي أشبه بالفردوس المغمور بأشعة الشمس وإلى مجموعة من الخلجان الصغيرة المعزولة...
"كريت" هي الجزيرة الأكبر بين مجموعة الجزر اليونانية، وخامس أكبر جزيرة في البحر المتوسط.. وهي آخر جزء من أوروبا جنوباً، وتقع تقريباً على خط عرض 35 درجة شمالاً و24 درجة شرقاً. ولها شكل طولي ممتد على مسافة 260 كم من الشرق إلى الغرب. وهي تغطي مساحة تقدر بـ 8336 كم2، ولها خط ساحلي بطول 1046 كم، وعدد سكانها 650000 نسْمة (وفقاً لإحصائيات عام 2005).
المدن الرئيسة هي "هيراكليون" (150000 نسْمة)، و"تشانيا" (70000 نسْمة)، و"ريثيمنو" (35000 نسْمة)، و"أغيوس نيكولاوس" (20000 نسْمة).
على الرغم من اشتهار "كريت" بشواطئها الرملية الجميلة وخلجانها الصغيرة الصخرية، فإن أقاليمها الريفية المرتفعة تعد جبلية. وهي محددة بسلسلة جبال مرتفعة تخترق الجزيرة من غربها إلى شرقها وتتألف من ثلاث مجموعات من السلاسل الجبلية. إن قمة سلسلة جبال "آيدي" خصوصاً تحتوي على ثاني أعلى نتوء في اليونان، والثامن في أوروبا (وهي قمة "سيلوريتيس" بارتفاع 2456 م). هذه الجبال أهدت "كريت" نجودها الخصبة وكهوفها وممراتها المحفورة في الصخر كأنها عُملت بمشرط جراح ماهر كممر "ساماريا" ذائع الصيت.
يُعتبر المناخ في "كريت" على الأرجح الأكثر اعتدالاً في أوروبا. فخلال الصيف تتراوح معدلات درجات الحرارة بين أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات درجة مئوية. ذلك أن الرياح الشمالية الغربية القوية (المسماة "ملتيمي") تعمل على تعديل وتلطيف الأجواء حتى في الأشهر الأشد حرارة كتموز (يوليو) وآب (أغسطس). ولكن هطل المطر خلال أشهر الصيف يعد أمراً نادر الحدوث.
فصل الخريف هو أكثر الفصول اعتدالاً في "كريت" حيث تصبح درجات الحرارة غالباً أعلى بقليل حتى عما هي في فصل الربيع. ولكن حتى في فصل الشتاء فإن درجة الحرارة نادراً ما تنخفض إلى ما دون 10 درجات مئوية، بل يتراوح المعدل بين 15 إلى 20 درجة مئوية.
بدأ الاقتصاد في "كريت"، والذي كان يعتمد بشكل أساسي على الزراعة، بالتحول بشكل ملحوظ خلال السبعينيات. فبينما لا يزال التركيز قائماً على الزراعة وتكثير المواشي، وذلك بسبب المناخ وطبيعة تضاريس الجزيرة، فقد برز ازدياد كبير في صناعة الخدمات (ولا سيما ما يتعلق منها بالسياحة). إضافة إلى ذلك تعتبر زراعة الزيتون صناعة أخرى هامة وذات اعتبار أسوة بباقي الأقاليم الأخرى في اليونان. نسب البطالة تقارب 4%.. في حين تسجل "كريت" واحداً من أقل معدلات الجريمة في أوروبا.
"كريت" هي واحدة من أكثر الأماكن المقصودة شعبية لقضاء العطلات في أوروبا. فخمسة عشر في المائة من إجمالي عدد الواصلين إلى اليونان يأتون عبر ميناء ومطار مدينة "هيراكليون"، بينما بلغت نسبة الرحلات الجوية المؤجرة إلى "إيراكليون" خلال السنة الماضية 20% من إجمالي عدد الرحلات المؤجرة في اليونان.
وفي الإجمال فقد بلغ عدد السياح الذين زاروا "كريت" خلال عام 2006 مليونا سائح.
إن البنية التحتية للسياحة في كريت -فيما يتعلق بتقديم التسلية والأطعمة وخلافها- مهيأة لتناسب جميع الأذواق. أما بالنسبة إلى الإقامة وكل ما يتعلق بوسائل تأمين الراحة فهناك تجهيزات تناسب كل الفئات المحتملة: من فنادق فاخرة كبيرة مجهزة بكل أسباب الرفاء (كالمسابح والتجهيزات الرياضية والتسهيلات المبتكرة إلخ) إلى الشقق العائلية القابلة للتملك، مروراً بتسهيلات تتعلق بالمخيمات.
ويستطيع الزوار الوصول إلى الجزيرة عبر مطارين دوليين في "هيراكليون" و"تشاينا"، أو بواسطة البحر من خلال موانئ "هيراكليون" و"تشاينا" و"ريثيمنو" و"آغيوس نيكولاوس". ثمة مقاصد أخرى تعتبر من الأماكن السياحية الرئيسة هي: "كيرسونيسوس" و"إيلاوندا" و"ماليا".
كانت "كريت" مركزاً لأهم حضارة في العهد القديم في أوروبا؛ وهي حضارة "مينوان". والتي ازدهرت في الفترة الواقعة بين 2700 حتى 1450 ق.م. ويعد المجمع الملكي في "نوسوس" الموقع الأكثر شهرة في "مينوان". وهناك مواقع أخرى لقصور في "كريت" هي: "فايستوس" و"غورتيس" و"ماليا".
جاء الاحتلال الروماني في العام 69 م واستمر حتى العام 330 م.. تبعته بعد ذلك الحقبة البيزنطية.
وبعد تقسيم الامبراطورية البيزنطية كانت "كريت" قد أصبحت مكتسباً لدولة "فينيسيا" والتي أبقت عليها تحت سيطرتها لمدة ناهزت الأربعة قرون. في القرن السابع عشر كانت دولة "فينيسيا" قد دُحرت عن "كريت" من قبل الامبراطورية العثمانية. في القرن التاسع عشر أصبحت "كريت" دولة حرة مستقلة.. ومن ثم اتحدت مع اليونان.
في الحرب العالمية الثانية كانت "كريت" المنطلق لـ "معركة كريت" ذائعة الصيت في أيار (مايو) 1941م، والتي اشتهرت لفرادتها كونها شهدت ولادة أول عملية غزو جوي هامة في التاريخ، وكونها المرة الأولى التي جوبهت فيها القوات الألمانية الغازية بمقاومة شرسة من قبل المقاومة الأهلية. لقد قدمت تلك المعركة نموذجاً ثورياً مقاوماً غير الشكل التقليدي في الحرب والصراع، وكان لها تأثير هام على مسار الأحداث في الحرب العالمية الثانية.
تمتلك جزيرة "كريت" –بوجود خط ساحلي طوله أكثر من 1000 كم- المئات من الشواطئ من كل الأشكال والأنماط، سبعة وثمانون منها تمت مكافأتها بمنحها جائزة العلم الأزرق من قبل "مؤسسة التثقيف البيئي" في أوروبا؛ وهي جائزة ترتكز في منحها على عدة عوامل هي عامل جودة المياه، وعامل الأمان، وعامل حسن الإدارة البيئية. وموقعها على شبكة الإنترنت:
http://www.blueflag.org .
وتقع تسعة من هذه الشواطئ ضمن نطاق 15 كم من "أناليبسي".
يمتلك المطبخ "الكريتي" الشهير دوراً هاماً في تشكيل حضارة وهوية الجزيرة. واعتماداً على زيت الزيتون، والخضار المحلية، والأعشاب العطرية، واللحوم، ومنتجات اللبن.. فإن النظام الغذائي "الكريتي" ليس فقط ذا نكهة خاصة وليس فقط دالاً على حسن الذوق، بل هو أيضاً صحي إلى حد بعيد.
ويعتبر العلماء أن نظام الغذاء "الكريتي" ومناخ الجزيرة نفسها هما سببان للحياة المديدة والصحة الجيدة، وذلك باعتبار أن سكان الجزيرة لديهم أقل معدلات وفاة عالمياً، وأقل معدل من الإصابة بالأزمات القلبية وأمراض السرطان.




